كرة القدم ليست مجرد 90 دقيقة من الركض خلف الكرة، بل هي دراما حية، ومشاعر متقلبة، ودروس في عدم الاستسلام. وإذا كنا نتحدث عن المتعة الحقيقية، فإن دوري أبطال أوروبا هو المسرح الأعظم لهذه الدراما، يبحث عشاق الساحرة المستديرة دائماً عن أشهر الريمونتادات في دوري أبطال أوروبا، تلك المباريات التي توقف فيها المنطق عن العمل، وانقلبت فيها الطاولة على رؤوس من اعتقدوا أنهم حسموا التأهل وتغير فيها التاريخ، وفي هذا المقال سنأخذك في رحلة ممتعة وواقعية عبر التاريخ الحديث والقديم للبطولة الأغلى لنتعرف على المعجزات الكروية التي حُفرت في ذاكرة المشجعين.
![]() |
| أشهر الريمونتادات في دوري أبطال أوروبا عبر التاريخ |
ما هو مصطلح "الريمونتادا"؟ وكيف ارتبط بكرة القدم؟
👈قبل أن نغوص في تفاصيل أشهر الريمونتادات في دوري أبطال أوروبا، دعونا نتفق على معنى هذه الكلمة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من قاموس كل مشجع رياضي. كلمة "ريمونتادا" (La Remontada) هي كلمة إسبانية تعني "العودة" أو "التعافي".
في عالم كرة القدم نستخدم هذا المصطلح عندما يتمكن فريق متأخر بنتيجة كبيرة من قلب الطاولة وتحقيق الفوز بشكل غير متوقع، ورغم أن المصطلح قديم في الثقافة الإسبانية، إلا أنه انفجر عالمياً، وأصبح متداولاً في كل لغات العالم بعد المباراة الشهيرة بين برشلونة وباريس سان جيرمان في عام 2017.
الريمونتادا لا تعني فقط الفوز بعد التأخر بهدف، بل تُطلق على العودات شبه المستحيلة، حيث يكون الفارق كبيراً، والوقت المتبقي قليلاً، والضغط النفسي في أعلى مستوياته.
معجزة الكامب نو: برشلونة يكتب التاريخ (2017)
لا يمكن لأي مقال يتحدث عن أعظم الريمونتادات في دوري أبطال أوروبا أن يتجاهل هذه المباراة. إنها الليلة التي غيّرت قوانين المنطق الكروي للأبد، في ذهاب دور الـ 16 لموسم 2016-2017 قدم باريس سان جيرمان أداءً خرافياً، وسحق برشلونة بنتيجة (4-0) في فرنسا وكل الصحف العالمية بعد المباراة أعلنت خروج برشلونة بنشبة تفوق ال99%، فلم يسبق لأي فريق في تاريخ البطولة أن عوض تأخراً بأربعة أهداف نظيفة في مرحلة خروج المغلوب، ودخلت جماهير برشلونة مباراة العودة وهي متيقنة من أن العودة تكاد تكون مستحيلة، ولكن مع الدقيقة الثالثة ولحظة تسجيل لويس سواريز الهدف الأول اشتعل الكامب نو، وبدأ التساؤل هل تحدث المعجزة، وبعد الهدف الأول جاء الهدف الثاني بنيران صديقة من كورزاوا، وقبل نهاية الشوط الأول بلحظات أضاف ليونيل ميسي الهدف الثالث من ركلة جزاء. هنا الأمل أصبح كبيراً!
لكن في الدقيقة 62 تغير كل شيء، سدد إدينسون كافاني كرة قوية سكنت شباك تير شتيجن مسجلاً هدفاً لباريس سان جيرمان. هذا الهدف (بقانون الهدف خارج الأرض الذي كان مطبقاً حينها)، كان يعني أن برشلونة يحتاج إلى تسجيل 3 أهداف كاملة ليتأهل!
وصلت المباراة للدقيقة 88 والنتيجة 3-1 لبرشلونة (وهم بحاجة لثلاثة أهداف). بدأت الجماهير تغادر الملعب بعدما استسلموا إلى الأمر الواقع، ولكن كان للبرازيلي نيمار رأي آخر:
- الدقيقة 88: نيمار يسجل ركلة حرة مباشرة خرافية.
- الدقيقة 91: نيمار يسجل ركلة جزاء بنجاح.
- الدقيقة 95: نيمار يرسل تمريرة سحرية، ينقض عليها سيرجي روبيرتو، ويسجل الهدف السادس، وبهذا الهدف تكتمل العودة.
"طالما هناك فرصة بنسبة 1%، فنحن نمتلك 99% من الإيمان."
- نيمار دا سيلفا (قبل المباراة بيوم واحد)
- نيمار دا سيلفا (قبل المباراة بيوم واحد)
معجزة إسطنبول: ليفربول يعود من الموت (2005)
بالنسبة للكثيرين هذه ليست واحدة من أكبر الريمونتادات في دوري أبطال أوروبا فقط، بل هي أعظم مباراة نهائية في تاريخ كرة القدم حيث التقى ليفربول بقيادة رافاييل بينيتيز مع إي سي ميلان المرعب وقتها بقيادة كارلو أنشيلوتي في نهائي عام 2005. بدأ ميلان المباراة بقوة، وسجل باولو مالديني هدفاً في الدقيقة الأولى، ثم أضاف المهاجم الأرجنتيني هيرنان كريسبو هدفين لينهي ميلان الشوط الأول متقدماً بنتيجة (3-0).
بين الشوطين سمع لاعبو ليفربول في غرف الملابس غناء جماهيرهم لأغنية "لن تسير وحدك أبداً" هذا الدعم أحدث تحولاً نفسياً عظيماً. وأجرى بينيتيز تغييراً تكتيكياً بإشراك هامان، وفي غضون 6 دقائق مجنونة حدث ما لم يتوقعه أحد:
- الدقيقة 54: ستيفن جيرارد يسجل الهدف الأول برأسية قوية.
- الدقيقة 56: فلاديمير سميتشر يسجل الهدف الثاني بتسديدة من خارج المنطقة.
- الدقيقة 60: تشابي ألونسو يتابع ركلة جزاء ضائعة، ويسجل التعادل (3-3).
استمرت المباراة بالتعادل حتى ركلات الترجيح التي ابتسمت للريدز، وتوج باللقب الخامس في تاريخه.
الركنية الشهيرة: ليفربول يكسر كبرياء برشلونة (2019)
يبدو أن ليفربول يمتلك جينات خاصة عندما يتعلق الأمر بالعودة في النتيجة، في نصف نهائي 2019 واجه ليفربول نظيره برشلونة، وانتهى لقاء الذهاب في إسبانيا بفوز برشلونة (3-0) بفضل أداء استثنائي من ليونيل ميسي. وما زاد الطين بلة لليفربول هو غياب أهم نجمين في خط الهجوم عن لقاء الإياب: محمد صلاح وروبرتو فيرمينو بسبب الإصابة.
جاء يوم المباراة وكان يجلس محمد صلاح في المدرجات مرتديا قميصاً مكتوب عليه (Never Give Up - لا تستسلم أبداً). بدأ ليفربول المباراة بشراسة، وسجل ديفوك أوريجي الهدف الأول مبكراً بعد كرة ارتدت من تير شتيغن، واستمر الشوط الأول بضغط قوي من ليفربول، ولكن انتهى الشوط الأول بهدف مقابل لا شيء، وفي الشوط الثاني نزل فينالدوم بدلا من روبرتسون الذي غادر للإصابة ليسجل هدفين متتاليين في الدقيقتين 54 و56 ليشتعل الأنفيلد، وتصبح النتيجة (3-0).
في الدقيقة 79 التقط الظهير الأيمن ترينت ألكسندر أرنولد لمحة من الغفلة في دفاع برشلونة، ولعب ركلة ركنية سريعة وذكية حولها أوريجي إلى الشباك، لينتهي اللقاء (4-0) ويصعد ليفربول للنهائي، ويحقق اللقب لاحقاً بالفوز على توتنهام في المباراة النهائية بهدفين مقابل لاشئ سجلهم محمد صلاح وديفوك أوريجي.
المفتاح التكتيكي: اعتمد يورجن كلوب على الضغط العالي الشرس (Gegenpressing) لإرباك لاعبي برشلونة، وحرمانهم من بناء اللعب براحة، مما أدى لارتكابهم أخطاء كارثية.
شخصية البطل: ريال مدريد يرفض الاستسلام (2022)
موسم 2021-2022 لريال مدريد يُعد منهجاً يدرس في علم النفس الرياضي. فبعد عودات مجنونة أمام باريس سان جيرمان وتشيلسي، واجه الريال مانشستر سيتي في نصف النهائي، وخسر ريال مدريد مباراة الذهاب في إنجلترا (4-3) في مباراة كانت قابلة لأن تنتهي بنتيجة أكبر بكثير لصالح السيتي. وفي لقاء الإياب في ملعب "سانتياجو برنابيو"، سيطر مانشستر سيتي، وسجل هدفاً عن طريق رياض محرز في الدقيقة 73. النتيجة الإجمالية أصبحت (5-3) لصالح السيتي، ووصلت المباراة للدقيقة 89 دون أن يسجل الريال أي هدف.
الجميع استعد لإعلان تأهل السيتي، لكن رودريجو كان له رأي آخر. في الدقيقة 90 سجل هدف التعادل بتمريرة من بنزيما، وفي الدقيقة 91 (بعد ثوانٍ معدودة) ارتقى برأسه ليسجل الهدف الثاني، وذهبت المباراة للأشواط الإضافية ليحصل بنزيما على ركلة جزاء ويسجلها، مؤكداً عودة الملكي، ومسطرا لواحدة من أشرس وأفضل الريمونتادات في دوري أبطال أوروبا.
ذئاب العاصمة: روما يحطم التوقعات (2018)
لا يجب أن تكون فريقاً من الصف الأول (مالياً) لتصنع المعجزات. نادي روما الإيطالي أثبت ذلك في ربع نهائي 2018 أمام برشلونة، التقى برشلونة بنظيره روما في دور ال8، وتمكنت كتيبة إرنستو فالفيردي من الفوز في مباراة الذهاب بنتيجة (4-1)، والمثير أن هدفين من أهداف برشلونة جاءا بنيران صديقة من لاعبي روما (دي روسي ومانولاس).
في لقاء الإياب على ملعب "الأوليمبيكو" قرر لاعبو روما التكفير عن أخطائهم، وافتتح إدين دجيكو التسجيل مبكراً، ثم أضاف دي روسي الهدف الثاني من ركلة جزاء، وفي الدقيقة 82 طار اليوناني كوستاس مانولاس برأسه ليسجل الهدف الثالث، ويقصي برشلونة بقاعدة الهدف خارج الأرض. صرخة المعلق الأجنبي بيتر دروري في ذلك الهدف ("روما تنهض من تحت أنقاضها") لا تزال تتردد في أذهان المشجعين.
دموع بوتشيتينو: توتنهام يغزو أمستردام (2019)
موسم 2018-2019 كان بحق موسم العودات التاريخية. فريق أياكس أمستردام الشاب، الذي أقصى ريال مدريد ويوفنتوس، بدا في طريقه للنهائي بعد فوزه ذهاباً على توتنهام في لندن (1-0).
في الإياب في هولندا أنهى أياكس الشوط الأول متقدماً (2-0)، توتنهام كان بحاجة لتسجيل 3 أهداف في 45 دقيقة للتأهل، ظن البعض بنهاية الشوط الأول أن النهائي سيكون طرفية ليفربول وأياكس لصعوبة المهمة على كتيبة ماوريسيو بوتشيتينو، هنا تقمص البرازيلي لوكاس مورا دور البطل الخارق، وسجل هدفين في الدقيقتين 55 و59.
استمر ضغط توتنهام، وفي الثانية الأخيرة من المباراة (الدقيقة 96)، سدد مورا كرة زاحفة سكنت الشباك، ليعلن تأهل توتنهام للنهائي في لحظة جعلت المدرب ماوريسيو بوتشيتينو يسقط على ركبتيه باكياً كالأطفال.
اللحظات الأخيرة: مانشستر يونايتد يقهر بايرن (1999)
على الرغم من أن هذه المباراة لم تكن من نظام الذهاب والإياب، إلا أنها تُصنف بلا شك ضمن أعظم الريمونتادات في دوري أبطال أوروبا، لأنها حدثت في المباراة النهائية، وفي ظرف دقيقتين فقط.
تقدم بايرن ميونخ في الدقيقة السادسة عبر ماريو باسلر، وسيطر الألمان على المباراة بالطول والعرض، وفي الدقيقة 90 كان مسؤولو اليويفا قد بدأوا بربط شرائط بألوان بايرن ميونخ على الكأس، لكن في الوقت بدل الضائع حصل مانشستر يونايتد على ركنيتين. في الدقيقة 91 سجل البديل تيدي شيرنغهام التعادل، وفي الدقيقة 93 سجل البديل الآخر أولي جونار سولشاير هدف الفوز، ليحقق اليونايتد الثلاثية التاريخية.
العوامل النفسية والتكتيكية وراء نجاح الريمونتادا
بعد استعراضنا لهذه القصص قد تتساءل: كيف تحدث هذه العودات؟ هل هي مجرد حظ؟ الإجابة قطعاً لا، هناك عوامل رئيسية تصنع الفارق:
- الإيمان وعدم الاستسلام (العامل النفسي): في كل ريمونتادا ستجد فريقاً يرفض الاستسلام، ويلعب بحماس حتى الصافرة النهائية.
- سحر الملعب والجمهور: ملاعب مثل أنفيلد (ليفربول)، سانتياجو برنابيو (ريال مدريد)، وكامب نو (برشلونة) تخلق ضغطاً نفسياً رهيباً على الخصوم وحكام المباراة.
- المرونة التكتيكية: المدربون الكبار يغيرون خططهم بالكامل. أحياناً يلعبون بـ 4 مهاجمين، أو يعتمدون على الضغط العالي المطلق، مخاطرين بترك مساحات في الخلف لأن ليس لديهم ما يخسرونه.
- تراخي الخصم: الفريق المتقدم بنتيجة كبيرة غالباً ما يقع فريسة للغرور أو الخوف المبالغ فيه من فقدان النتيجة، مما يجعله يتراجع للدفاع ويستقبل الأهداف.
جدول مقارنة لأعظم العودات التاريخية
لتلخيص هذه المعجزات الكروية، أعددنا لك هذا الجدول المنسق الذي يسهل عليك المقارنة بين أشهر الريمونتادات:
| العام | الفريق الفائز | الخصم | نتيجة الذهاب | نتيجة الإياب | بطل اللحظة الحاسمة |
|---|---|---|---|---|---|
| 2017 | برشلونة | باريس سان جيرمان | خسارة 4-0 | فوز 6-1 | نيمار / سيرجي روبيرتو |
| 2005 | ليفربول | إي سي ميلان | تأخر 3-0 (شوط أول) | تعادل 3-3 (فوز بالترجيح) | ستيفن جيرارد |
| 2019 | ليفربول | برشلونة | خسارة 3-0 | فوز 4-0 | ديفوك أوريجي |
| 2022 | ريال مدريد | مانشستر سيتي | خسارة 4-3 (وتأخر في الإياب) | فوز 3-1 (أشواط إضافية) | رودريجو جوس |
| 2019 | توتنهام | أياكس أمستردام | خسارة 1-0 (وتأخر 2-0 إياباً) | فوز 3-2 | لوكاس مورا |
| 2018 | روما | برشلونة | خسارة 4-1 | فوز 3-0 | كوستاس مانولاس |
| 2004 | ديبورتيفو | إي سي ميلان | خسارة 4-1 | فوز 4-0 | والتر باندياني |
ختاماً يمكن القول إن كرة القدم علمتنا دروساً تتجاوز حدود الملعب الأخضر؛ علمتنا أن المستحيل مجرد كلمة، وأن النهاية لا تُكتب إلا مع انطلاق الصافرة الأخيرة للحكم.
سواء كنت من مشجعي ريال مدريد، أو ليفربول، أو برشلونة، أو أي نادٍ آخر، لا شك أنك عشت يوماً لحظة صراخ جنونية بعد هدف قاتل قلب كل الموازين. شاركنا في التعليقات: ما هي أكثر ريمونتادا أثرت فيك شخصياً وجعلتك تقفز من مكانك فرحاً أو صدمة؟

تعليقات
إرسال تعليق